الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
158
نفحات القرآن
وإذا أثبتنا - مثلًا - بالحس والتجربة أو بدليل عقلي وجود أمر ما ، فإذا كنّا غير واثقين بقضية « استحالة اجتماع النقيضين » التي تعتبر من القضايا البديهية جدّاً ، فعندئذٍ يمكننا التشكيك بالأمر ، والقول بإمكانية عدم وجود الأمر الذي أثبتنا وجوده ! وإذا أردنا إثبات هذه الأصول البديهية بالتجربة والاستدلال فسينتهي الأمر بنا إلى الدور والتسلسل ولا تخفى سلبيات هذا الأمر على أحد . ثانياً : فضلًا عمّا سبق ، فكما نعترض على السفسطائيين ( الذين ينكرون كل شيء ) وكذا المثاليين ( الذين ينكرون الحقائق الخارجية ، ويعتقدون بالأمور الذهنية فقط ) وبالاستناد إلى الوجدان نقول : إنّ الوجدان يشهد ببطلان مثل هذه العقائد ، لأننا ندرك أنفسنا والعالم الخارجي الذي يحيط بنا بوضوح ، فكذلك الأمر هنا ، لأنّ هذه الضرورة الوجدانية دليل على وجود كثير من الإدراكات الباطنية . وكما أننا نحس بحاجات جسمية وروحية كثيرة ( الحاجات الجسمية مثل الأكل والشرب والنوم ، والروحية مثل الميل إلى العلم والاحسان والجمال والعبادة والقداسة ) ويقول بعض علماء النفس : ( إنّ هذه المقتضيات تشكل الأبعاد الأربعة لروح الإنسان ) . فهذا الوجدان ذاته يصرح لنا بحسن الاحسان والعدالة وقبح الظلم والاعتداء ، وفي هذه الإدراكات لا نحتاج إلى مصدر اجتماعي أو اقتصادي أو غير ذلك بل يكفينا الوجدان . إنَّ حجة أمثال « فرويد » و « ماركس » واضحة ، حيث أنّهم يعتقدون بأصل واحد وهو رجوع كل قضية اجتماعية وفكرية إلى الجنس أو الاقتصاد ، ويصرون على توجيه كل شيء على ضوء هذا الأصل . ثالثاً : إنّ الموضوع واضح من جهة نظر توحيدية ، لأنا إذا سلّمنا أنّ الإنسان خُلِقَ للتكامل على أساس سنة إلهية ، فلا ينبغي الشك في أنّ وسائل ودوافع مثل هذا التكامل يجب أن تكون مهيئة في ذاته ، وموجودة ، وأنّ ما جاء به الأنبياء وما ورد في الكتب